لم تولد وفي يدها سكين، ولم يكن في عينيها ذاك السواد منذ المهد، كانت طفلة ككل الأطفال، تترك يدها الصغيرة في كفِّ الريح، وتظنُّ أنّ العالمَ أرجوحة؛ تضحك إذا ضحكت لها الأيام، وتبكي إذا انطفأ المصباح في غرفتِها.
لكن الأرواح لا تُقتل بطعنة واحدة، تُقتل بالتقسيط؛ طعنة تلوَ الأخرى، الأولى منها كان اسمها "الخذلان": حين مدت يدها لوالدتها فوجدت كفًا باردة، مشغولة، قاسية لا يوجد فيها أمان، والثانية كان اسمها "اللوم": كلما كُسرت، قيل لها "أنتِ السبب"، والثالثة منها كان اسمها "الصمت": صرخت كثيرًا ولم يسمعها أحد؛ فتعلمت أنّ الصراخَ عبث، وأنّه لا فائدة منه أبدًا...
أمّا عن الأم التي جعلتها كومةً من العُقد؛ فربما تكون ليست دائمًا جلادًا باختيارها، أحيانًا تكون الأم سجينة جرحٍ قديم، تورّث ابنتها هذا الجُرح، وتجعله قيدًا على رقبتِها، وهي تظن أنّها تحميها، فتربيها على الخوف، وتُلبسها ثوب "البنت المؤدبة" الضيق، حتى تختنق، وعندما جاء الوقت لكي تتنفس، قالوا عنها أنّها "اختلّت وفقدت الأهلّية".
هكذا تموت الأرواح، لا تموت مرة واحدة؛ بل تتساقط قطعة قطعة، تفقد قدرتها على الدهشةِ أولًا، ثم تفقد الثقة، ثم تفقد القدرة على البكاء، وحين لا يعود للدمع مكانًا ينبت مكانه جليدًا، ومن الجليدِ تولد القسوة، ومن القسوةِ يولد ما يسمونه "إجرامًا"
يسألون: لماذا أصبحتِ مجرمة؟
والسؤال الأصدق: مَن الذي علّمها أنّ العالَم ساحة حرب؟
مَن أقنعها أنّ الطيبةَ ضعف، وأنّ مَن لا يَفترِس… يُفترَس؟
أنا لم أختر أن أكون مختلة، أنا فقط تعبت من ترميمِ نفسي كل ليلة، تعبت من أن أكون الضحية المُهذّبة التي تشكر من يطعنها، فخلعتُ ثوب الضحية، وارتديتُ دِرعًا مِن حديد، والحديد يجرح نعم؛ لكنه يحمي.
أوصلوني إلى هنا؛ لأنّهم لم يسألوني يومًا: "ما الذي يؤلمك؟"
اكتفوا بالحكمِ عليّ من صوتٍ يكسرني، لم يروا الطفلة التي ماتت بداخلي، رأوا فقط المرأة التي خرجت مِن الرمادِ ومعها نارٌ تحرقُ كلّ مَن يقف في طريقِها.
لا أحد يولد وحشًا، الوحوش تُصنع في البيوت المظلمة، في الأحضان الباردة، في الكلمات التي قيلت أو لم تُقل.
وما بين "فتاة" و "مجرمة"، مقبرة اسمها "أم لم تعرف كيف تحب، ومجتمع لا يعرف كيف يسمع".
واليوم، بعد أن انفجرت، الكل يسأل عن صوتِ الانفجار مَن أين أتى! لكن لا أحد تجرأ أن يسأل: كم سنة ظلت تُتكتك بصمتٍ قبل أن تنفجر؟
ومَن سيكون الضحية القادمة لانفجارٍ مؤجّلٍ آخر لم يبدأ عدّه التنازلي بعد؟
#هَـزار_عادل
#فريق_الضاد
#مبادرة_النسيم