يا صاح، إنّ الناسَ بحرٌ مُتلاطمُ الأمواج، تُخفي ظواهره صفاءً وتُضمر أعماقه لججًا من الغدر، فمن ألقى بنفسه فيه بلا مِرساة عقل غرِق، ومن اتّخذه مأوى هلك، قد جرّبتُ القرب منهم فوجدتُه كالنارِ؛ يُدفئُ ظاهرها ويحرق باطنها، ويُغري بضيائه ثم يترك في القلب رمادًا من الخيبة، فآثرتُ البُعدَ عنهم، لا كِبرًا ولا جفاءً، ولكن صيانةً لروحٍ أرهقها الزيف، واعتزالًا لضجيجٍ يسرق من النفس سكينتها، صرتُ كالنجمِ في عليائه، يلوحُ بعيدًا ولا يختلط بظلام الأرض، أو كالغصن الذي انثنى عن شجرةٍ أكلها السوس، فنجا بنفسه من الفناء، إنّ العزلة ليست فقرًا في الرفاق، بل غِنىً عن الزائفين، وهي ليست هروبًا من الناس، بل نجاةٌ من تلوّنهم؛ فكم من وجهٍ يبتسمُ وفي طيّاته أنياب، وكم من يدٍ تمتدُّ بالمودّة وهي تُخفي خنجرًا من خيانة، فدعِ القومَ يا رفيق، وكن لنفسك وطنًا، ففي الوحدةِ أنسٌ لا يُدرَك، وسكينةٌ لا تُشترى، وهناك حيث لا ضجيجَ ولا نفاق، تُزهر الروح كما تُزهر الأرض بعد المطر، ويصفو القلب كما يصفو الفجر بعد ليلٍ طويل.
#بغداد_محمد
#فريق_غيث
#مبادرة_النسيم