|| سِيميَاءُ الانبعاثِ في أقاليمِ المستحيل ||

لم يكنِ الوصولُ إلى هنا ممهدًا بالورد، بل كان عبوراً طويلاً فوق جسورٍ من الأسئلة المعلقة، واختراقاتٍ لمدنٍ من ضبابٍ حاصرت رؤيتي لسنوات. لقد نفضتُ عن كاهلي غبار الحكايا القديمة، وخلعتُ وجوهاً لم تكن تشبهني، حتى وجدتُ نفسي أخيراً أجردُ روحي من كل ما يربطها بالزحام؛ لأقف في نقطة الصفر؛ حيث لا زمن يحدّني، ولا جغرافيا تقيدني.

​كنتُ دائماً أرفض أن أكون مجرد عابرة سبيل في لغة الآخرين، فجعلتُ من حياتي سيمياء كبرى، ورحتُ أستنطقُ مسام الوجود لغةً أخرى؛ لا أنظر إلى الأشياء بظواهرها، بل بصفتها علامات تفيض بالدلالة. كنتُ أرى في الصمت انفجاراً مؤجلاً لقصيدة لا تعرف المهادنة، وفي صرخة الريح أبجديةً لا يفك شفراتها إلا الغرباء الذين احترفوا قراءة ما وراء الضجيج.

​لقد توحدتُ مع عناصر الطبيعة حتى صارت امتداداً لروحي؛ صرتُ أنا والريح شريكتين في قلق التكوين؛ هي تهدم السكون، وأنا أهدم القوالب القديمة لأبني من ركامها صرحاً يليق بالتحول. أشعلتُ في دمي ناراً تصهر الخيبات، لكي أبقى كالفينيق؛ كلما احترقتُ في تجربة، نهضتُ من رمادي بملامح أكثر حدة. لم يعد الماء يرويني إلا إذا كان بَحراً من المجهول يعلمني الانسياب دون انكسار، ولم يعد التراب يغريني إلا إذا كان ذاكرةً بِكراً أغرس فيها ناصية حرفي.

​ولأنني ضقتُ بالمدن المعلبة، تلك التي قُدّت من جليد الروتين وثلج العاطفة الباردة، هجرتُ الأرصفة المكررة لأسكن أقاليم المستحيل؛ هناك حيث شيدتُ مدني من ضوءٍ معجونٍ بالتمرد، لا من حجارةٍ صماء تذوب عند أولِ مواجهة. في حيزي المبتدع، لا توجد جدران، والزمن ليس خطاً مستقيماً يهرول نحو الموت، بل هو دائرة من الانبعاث المستمر؛ أنا فيها الطفلة والشيخة، البداية والمنتهى. هنا، تصبح الهوية فعلاً لا اسماً؛ فلا أعرف مَن أنا إلا حين أكتب، وحين أكتبُ.. أستحيل إلى كونٍ يختزل كل الأشياء.

​أنا اليوم لا أهتم بما سلف، بل أقدس اللحظة التي تتوهج فيها الروح وتكسر أغلالها. لغتي اليوم لا تصف الوردة، بل تمنحك شذاها قبل أن تولد. أنا المسافرة في جسد اللغة، والساكنة في قلب الرمز، والهاربة من صقيع الأمكنة إلى فضاء لا يحده إلا أفق حلمي. 


#مروة_الرعيني

#فريق_الضاد

#مبادرة_النسيم

تعليقات