|| مرافئُ الوجد ||

هُنا حيث تنتهي رحلةُ العذاب، ويحتضنُ اللقاءُ أرواحنا بشوقٍ وحنين، ترتوي الروحُ بماءِ الوجد، وتزهرُ في مرافئَ دافئةٍ تتحدثُ عنها الدموع؛ كأنها تُخبرنا أنَّ العناءَ قد انتهى.

​كانت رحلةً طويلةً في بحرِ الغياب، تتلاطمُ فيها أمواجُ الحنين، وتهبُّ عليها رياحُ الشوق، وتتأججُ فيها لهفةُ اللقاء؛ رحلةٌ تاهت بين مدٍّ وجزر، بين صبرٍ وانتظار، بين صمتٍ وألم، لتصبحَ كلُّ لحظةٍ فيها سؤالاً عن معنى الوصول.

 ثم جاء الأنينُ كالبوصلةِ التي لم تضلَّ أبداً، مشيراً إلى دربِ العودة … إلى مرافئِ الوجد، حيث يشرقُ القلبُ بعد غيابٍ طويل.


​هنا حيث تشرقُ الشمسُ بنورها فتُبددُ ظلمةَ الغياب، وتنسابُ الأيامُ كأنهارِ البحر، تتراقصُ الذكرياتُ على ألحانِ الأمل، ويصبحُ الماضي والحاضرُ لحظةً واحدةً متكاملة، في مرافئِ الوجد، نتأملُ اللحظة، ونعيشُ الشعورَ بصمتٍ وحبور، بينما تتلألأُ النجومُ في سماءِ القدر؛ كأنها تبشرُ القلبَ بالسلام، وتذكرنا بأنَّ الوصولَ ليس نقطةَ نهاية، بل بدايةٌ لحياةٍ جديدة.

 إنها محطةُ الوصولِ بعد الحيرةِ والذبول، وإجابةُ السؤالِ الذي طالما تردد في أعماقنا: إلى أين الرحيل؟ ومتى يعودُ القلبُ ليحطَّ في مرفأِ الأمان؟


​على مرافئِ الوجدِ أقفُ بصمتٍ كلَّ مساء، ليس لأنَّ البحرَ يدعوني، بل لأنَّ قلبي تعلم أن يصغي لنداءاتٍ لا يسمعها أحد، يكتبُ المدُّ رسائلَه على الرملِ ثم يمحوها؛ كأنه يخافُ أن تُقرأ، بينما تظلُّ روحي تترقبُ كلَّ موجة؛ كأنها تترجمُ معانيها العتيقة، في هذا المرفأ أتعلمُ لغةً أخرى؛ لغةً لا حروفَ فيها؛ لكنها تُقرأُ في صمتٍ طويل، في ارتعاشِ اليدين، وفي همساتِ الهواءِ الذي يمرُّ بين الأمواج.


​مرفأٌ... تطفو على سطحِه ابتسامةٌ غامضة، وتلوحُ في آفاقِه ذكرياتٌ غريبة؛ كأنَّ كلَّ ذكرى قد حملتها المياه إلى مكانها الصحيح، بعيداً عن ضوضاء الأيام، هنا نخيطُ جروحنا بهمساتِ البحرِ الناعمة، وتأنسُ روحُنا في سكينةٍ غريبة، وأمواجه تخبرنا بأنَّ مرفأَ الوجدِ يعيدُ لنا ما بعثرتهُ الأيامُ القديمة، ويعلمنا أنَّ كلَّ غيابٍ يحمل في طياته وعدًا بالعودةِ القريبة.


#​​أسماء_البيضاني

#فريق_النخبة

#مبادرة_النسيم

تعليقات