|| عزلةٌ تشبه الروح ||

يبلغ المرءُ من العمرِ مفترقًا لا يُشبه ما قبله، مرحلةٌ يخلع فيها ضجيج العالم عن كتفيه، ويكتفي بذاته كما يكتفي البحر بمائه. لم يعد يرى في الزحام غاية، ولا في الأحاديث نجاة، صار الاختلاء ملاذًا، والمغادرة من قلب الجموع انتصارًا صامتًا.


يبحث عن طمأنينةٍ لا يمنحها أحد، وسعادةٍ لا تُستعار من الوجوه، أرهقه الكلام فأوجعه، وخذله العتاب فأضناه، حتى المزاح بات وخزًا، والصمت صار لغةً أخرى للألم. فما كان منه إلا أن آثر الرحيل إلى نفسه؛ أن يخلد إلى روحه، يتأملها، يصادقها، يعقد صلحًا معها، ويتعرف عليها من جديد، كأنه يلقاها لأول مرة. ويؤنس وحدته بأشيائه الصغيرة التي لا تخذل: ذكرى دافئة، وفنجان قهوة كما يشتهيه، وكتابٌ قديم، وهدوءٌ آمن، وصل مرحلة القناعة، بات يبتسم للآخرين من بعيد، يمنحهم لطفًا لا يكلفه اقترابًا، لأن القرب أضحى ثقيلًا على قلبٍ اعتاد سكينته. صار الاقتراب ضوضاءً تعكر صفو الاكتفاء، ومع هذا كله، تظل الروح سابحةً في تيهها، تتخبط بين جدران الأسئلة التي لا تهدأ: أي الدروب صوابٌ فأسلكها، وأيها خطأٌ فأجتنبه؟ ما البهجة الصادقة التي تشبهني، وما الزيف الذي ظننته فرحًا؟ ما الذي يوافق قلبي، وما الذي أُجبر نفسي عليه؟

إنها ليست راحةً خالصة، وليست شقاءً كاملًا، إنها منطقةٌ رماديةٌ مجهولة، بين من كنتَه، ومن أجهل أنني سأكونه.


#زبيدة_أحمد

#فريق_غيث

#مبادرة_النسيم

تعليقات