بأيِّ لغةٍ أعبرُ عن مَدى حُزني، وبأيِّ نَحيبٍ أصيغُ وجعي، حينَ رأيتُ ما يَحدثُ في فِلسطين؛ حينَ رأيتُ عشرةَ آلافٍ من أسرى الأرضِ المقدسةِ يُساقونَ ويُقادونَ إلى المَقصلة بدمٍ بارد؟ لقد حدثَ هذا والعالَمُ لم يُحركْ ساكناً، بل غسَلَ يديهِ ببياناتِ الاستنكارِ الباردة، تاركاً عشرةَ آلافِ قنديلٍ بَشريٍّ يرتجفون تحتَ ظلالِ الموت، وعشرةُ آلافِ حكايةِ صمودٍ يُرادُ لها أن تُذبحَ بقرارٍ قانونيٍّ مُلطخٍ بساديةِ الاحتلال. كيف لقلبي الذي جُبلَ على النصرةِ أن يتسعَ لمدى هذا الوجع؟ وكيف لمدامعي أن تفيضَ بمرارةِ الخذلانِ وعالمٌ بأسرهِ يرى القاتلَ يسنُّ قانونَ الإعدامِ لرقابِ الأحرار، فيكتفي بكلماتٍ باهتةٍ ومناشداتٍ خجولةٍ لا تتجاوزُ عتباتِ مكاتبِهم المكيفة؟
أعودُ بذاكرتي المُتعبةِ إلى زمنٍ كانت فيهِ صرخةُ وا إسلاماه تزلزلُ عروشَ الأكاسرةِ والقياصرة؛ زمنٌ كانت تتحركُ فيهِ الجيوشُ كالسيلِ العرِمِ لنصرةِ مظلومٍ أو فكِّ قيدِ أسير، حين كانَ قعقعةُ السلاحِ وصهيلُ الخيلِ هو الردَّ الوحيدَ على غطرسةِ المعتدين. فأينَ نحنُ اليومَ من ذاك الإباء؟ وأينَ غابَ ذاك المجدُ ونحنُ نرى عواصمَنا تكتفي بمراقبةِ عدّادِ الموت، وتنتظرُ إذناً دولياً لتقولَ كفى؟
إنَّ هؤلاءِ الأبطالَ ليسوا مجردَ أرقامٍ عابرةٍ في كشوفاتِ الموت؛ بل هم فدائيو الأرضِ الذين اقتيدوا لساحاتِ الإعدامِ بقرارٍ عُنصريٍّ استباحَ الروحَ والجسد. يا لَعارِ الضميرِ البشريّ! أسرىٰ تُسلبُ أعمارُهم وتُوأدُ أحلامُهم بقوانينَ حاقدة، بينما تضجُّ المحافلُ الدوليةُ بترفِ الحديثِ عن حقوقِ الإنسان، وتكتفي بمناشدةِ القاتلِ أن يرفقَ بضحاياه! أين هي الكرامةُ التي يدّعون، وهم يقفون عاجزينَ عن كسرِ قيدِ هذا القرارِ الجائر؟
أشعرُ بكلِّ شهقةِ انتظارٍ مسمومةٍ يزفرُها أسيرٌ في عتمةِ الزنزانة، وأرى في عيونِ أمهاتهم في غزةَ والقدسِ والضفةِ حُطامَ كونٍ بأسره. إنَّ تنكُّرَ العالمِ اليومَ واكتفاءَهُ بكلماتِ التنديدِ ليسَ إلا شراكةً معلنةً في الجريمة. قلبي يفيضُ مَرارةً تُعجزُ البيان، وروحي تئنُّ شجناً على كلِّ بطلٍ يُساقُ إلى المقصلةِ بصدورٍ عارية، بينما ينشغلُ العالمُ الحرُّ بتنميقِ الأكاذيبِ وتجارةِ الوعودِ الزائفة.
يا الله.. يا نصيرَ مَن لا نصيرَ له؛ إليكَ المشتكىٰ من عالَمٍ غلَّفتْهُ الغشاوة، ومن جورِ عدوٍ استمرأَ وأدَ الأرواحِ بشرعيةِ الغاب. فأنزلْ سكينتَكَ على قلوبِ أسرانا، واجعلْ لعنةَ هذا الصمتِ ونكوصِ الضمائرِ تطاردُ كلَّ مَن رأىٰ مقصلتَنا تُنصبُ.. فاستنكرَ ملامحَنا، واستدارَ ومضى.
#مروة_الرعيني
#فريق_الضاد
#مبادرة_النسيم