|| سيادةُ الاكتفاء ||

القناعةُ ليست انطفاءَ الرغبة، بل تهذيبُها حتى تصبح نورًا لا حريقًا، هي أن تُطفئ فيك جوعَ «المزيد» لا لتفقد الشغف، بل لتُبقيه طاهرًا من لهاثٍ يُتعب الروح؛ فتكتشف أنّ في القليل سِعةً تُدهش القلب، وأنّ ما بين يديك ليس أقلّ، بل كافٍ حدّ الاكتمال، وكأنّ الأشياء حين تُقاس بعين الرضا تكبر، وحين تُقاس بعين الطمع تضيق وإن اتّسعت، القناعةُ غِنًى لا يُرى، يسكن في أعمق نقطةٍ من القلب، كنبعٍ خفيٍّ لا ينضب، يهبط عليك كطمأنينةٍ بلا سبب؛ فتستقيم الفوضى في داخلك، وتعود الأشياء إلى مواضعها؛ فلا تُزاحمك الرغبات، ولا تُثقل خطاك المقارنات، بل تمشي خفيفًا كأنك تحمل روحك فقط، لا أثقال أمنياتٍ لا تنتهي.


هي أن تُصافح ما لديك بمحبة، لا بما ينقصك بحسرة، أن ترى النعمة في التفاصيل التي يمرّ بها العابرون فلا يلتفتون؛ في دفء يدٍ، في سكون مساء، في قلبٍ لا يزال قادرًا على الامتنان، القناعةُ أن تُدرك أن الامتلاء ليس بكثرة ما تملك، بل بقلة ما تحتاج، وأنّ أعظم الغنى أن تستغني نفسك، ولو كان في يدك القليل، هي أن تنظر إلى الدنيا من علٍ، لا احتقارًا لها، بل تحررًا منها؛ فلا تُغريك كثرتها إن تدفّقت، ولا يُربكك نقصانها إن انحسرت، كأنك واقفٌ على ضفة العمر، ترى الموج يعلو ويهبط، وأنت ثابتٌ لا تجرفك التيارات. وفي صدرك سرٌّ عتيقٌ يهمس: «من امتلأ بالرِّضا، لم يفتْه شيء، ومن تعلّق بالنقص، فاته كلّ شيء ولو ملك الدنيا.»

القناعةُ سيادةٌ لا تُمنح، بل تُنتزع من ضجيج الداخل، تاجُها السكون، وعرشها قلبٌ أدرك أنّ الركض خلف كل شيء يفقد الأشياء معناها، وأنّ الاكتفاء ليس حرمانًا، بل اختيارٌ ناضجٌ بأن يكون قلبك ممتلئًا بما هو بين يديك، لا بما يتمنّاه بعيدًا.


#جميلة_أحمد

#فريق_الضاد

#مبادرة_النسيم

تعليقات