تجلسُ على أطرافِ السريرِ تحتضنُ صندوقًا بيديها الصغيرتين، تفوحُ منه رائحةُ زمنٍ لا يُباعُ في الأسواق، تضمُّه إلى صَدرها بقوَّة كأنَّ الذي فيهِ شيءٌ عظيمٌ، لا يُسمحُ لأحدٍ أن يراه!
تَفتحهُ بهدوءٍ لتظهرَ منه صورةُ فتاةٍ تبتسمُ ببراءةٍ وَفي عينيها أملٌ وحبٌّ كسرابٍ في جَسَدٍ يَبِس. تنظرُ إلى الصورةِ التي كانت قد احتفظت بها منذ زمن لكنَّها تحدّثها من بعيد؛ دونَ أن تمسَّها، تخشى إن أمسكتها بطرفها المكسور أن تُخدَش لفرطِ رقَّتها، والصّورةُ ترمقها بعينيّ طفلةٍ تسألها: أأنتِ أنا؟ أم أنا ظلّكِ الضّائع؟
كانت تقولُ لها في كلِّ ليلة: علِّميني كيفَ أبتسمُ مجددًا، علِّميني كيفَ أبكي! فقد نسيتُ بمرور الخيباتِ كيفَ أشعر! كنتُ أريدُكِ أن تَكبُري، لكن لو علمتُ ما ينتظركِ لخبأتُكِ في هذا الصندوق منذ زمن، ولَما سمحتُ لكِ بالخروجِ من مخبأكِ ومواجهةِ العالم.. لعلَّمتكِ كيفيةَ الإبحار قبلَ الغوصِ في الناس.
ثمَّ تعيدُ إغلاقَ الصندوقِ بسرعة وتُحكمُ إقفاله وكأنَّها تهربُ من شيءٍ مَا.. ربما تهربُ من نظرةِ العتاب في ذاتها القديمة الطفولية البريئة، أو ربما تهربُ من الذكرى التي اقتحمتها حين التقطت هذه الصورة.. هكذا أصبحت مؤخراً؛ تهربُ من ذاتها إلى النسخةِ التي لا تعرفها منها!
#شهد_القوتلي
#فريق_شام
#مبادرة_النسيم