مأساةٌ مفرطة، تلك التي تكدّست في القلوب، فحوّلت بشرًا إلى هياكل، وحوشٍ مفترسة، تلهث لتنقضَّ على فريستها أيًا كان حجمها: صغيرةً كانت أم كبيرة، عجوزًا أم رضيعًا لم يتمَّ عامه الأوّل.
وحشيةٌ سادت العالم، أتريد أن تفوز بهذا؟ أن يُقال إنك قتلت الملايين، ودمّرت آلاف البيوت، وأحرقت كل ما في الأرجاء؟ لا يهم إن كان المحترق طفلاً أم امرأة، في نظرك هم مجرّد أوراقٍ، يجب التخلّص منها وتحويلها إلى رماد.
تنهيدةٌ حزينة تخرج من أعماق القلوب المكلومة، بينما تُنتهك الأعراض، وتُغتصب النّساء حتى تفيض أرواحُهن إلى بارئها، بينما تُعذَّب أخريات على سبيل التسلية.
يُحرَمون الأم من طفلها، ويُختطَف الرضيع من حضن أمّه، ويُفرّقون بين الأختين، وبين الأب وابنه الذي لم يبلغ الخامسة.
طفلٌ لم يذق طعم الطفولة، فمنذ وُجد وهو يرى الصواريخ تحلّق فوقه، ثم تسقط أمامه لتحوّل كل شيء إلى رماد.
وذاك الذي كان ينتظر أخاه، لكن روح أمّه فاضت ومعها جنينها في أحشائها، فلم يرَ أخاه الذي لم يرَ النّور قط.
ينزحون بحثًا عن مأوى، فلا مكان آمن. يلجأون إلى خيامٍ بالكاد تحميهم من بردٍ قارس ومطرٍ غزير. آخرون لاجئون، وآخرون ذُبحوا وقُطّعوا كأنّهم قطع لحمٍ تُنهش.
وهناك من ماتوا جوعًا، فلم يجدوا كسرة خبزٍ يابسة، أو قطرة ماء تروي عطشًا دام أسابيع.
البيت لم يعد موجودًا لأنّه دُمّر، وذاك أُجبر على تركه والهرب، والآخر قريته لم تعد آمنة بعد أن تحوّلت إلى فتات.
لا يسمعون صراخهم، ولا يكترثون لآلامهم وأوجاعهم، ولا يسمعون حسيسهم في سجونٍ لا تعرف الرّحمة.
في أياديهم، يحملون مفتاحًا لوطنٍ لم يعد، لبيوتٍ هُدمت، ولأحلامٍ تحطّمت.
لم يعد المفتاح يفتح بابًا من خشب، بل يفتح أبواب الذاكرة الموجعة.
"قد يكون المفتاح في يد غزيٌّ، يضغط عليه كفٌّ أوهنه الجوع، وهو يرقب من فتحة خيمته ركام بيته، لكنه صامد.
وقد يكون في يد سوريٍّ لاجئ، يتدلى باردًا كبرودة المنفى، لكن لمعانه يخفي ظل مذبحة لا تغادر ذاكرته، ورغم ذلك ينبض أمله بالعودة.
وقد يكون في يد سودانيٍّ اسودَّت من هولِ ما رأت، مفتاحٌ شاهدٌ صامت، تخشى الأصابع أن تلمسه حتى لا توقظ صرخةً خنقتها الوحشيّة، لكنها تشدُّ عليه بقبضةٍ تأبى الاستسلام."
هذه المفاتيح لا تفتح أبوابًا، بل تفتح جروحًا وذكريات تقشعر لها الأبدان.
إنها مأساةٌ وصمودٌ في آنٍ واحد، فلا مُعين لهم إلا ربّ النّاس.
#أفراح_الكثيري
#فريق_الأمازيغ
#مبادرة_النسيم